عالجتُ ألم صدري من
السجائر، بالمزيد من الدخان. جربتُ الشيشة بأنواعها، والحشيش. وكلما آلمني صدري
أكثر، بحثتُ عن نوع أثقل من الدخان. كلما اكتئبتُ، بحثتُ عن أسباب أكثر للاكتئاب.
من داخل كل مرحلة للاكتئاب، أفكّر بتجرّد: أنا أريد أن أتخلص من هذا الألم؛ ليكن بالمزيد
منه. يذهب ألم المرحلة، وأغضُ النظر عن أنني استبدلته بمرحلة أعلى منه. عموما،
الحياة هي تراكم الآلام، حتّى المرحلة التي يُصبح فيها الألم غير محتمل. عندها،
سأموت، أو أتحرر. والكآبة ليست بالضرورة
مسببة، الكآبة غربة وغرابة. الكآبة أرق وعدم قدرة على التصالح. الكآبة في أصلها
غير مسببة. الأسباب تُدرَك، ويمكن معالجتها. الكآبة لا. الكآبة أصيلة. والحُزن كلمة
لطيفة، أصيغ بها الكآبة في صورة أهدأ لأحبّها. الكآبة ترقد بعيدا، في طبقة غير
متناولة من الروح. قد تمتد السعادة لآخر طبقة قبلها، ولكنّها تظل هناك، لا يمكن النفاذ
إليها. قد نتصالح بقدر ما يتاح لنا التصالح، قد نبحث عن الخلاص. ولكن هناك بعيدًا،
تراقب الكآبة ساخرة كل محاولات الخروج من العتمة. وتزيدها. وكلما حلقتُ بعيدا
عنها، شدتني بالخيط الذي تملك طرفا منه، وطرفه الآخر مربوط في رقبتي. كلما طرتُ،
أرخت لي الخيط، حتّى إذا ظننته الخلاص، وأوهمتُ نفسي أن الخيط هذه المرّة انقطع
بالضرورة، تجذب جذبة واحدة، فأقع محطمة. وأبدأ من جديد. وقدرتي على البدء من جديد،
أستخدمها، ويستخدمونها أحيانا، في الاقناع بوهم القوة. ليست قوّة؛ عبث. أنا هنا،
وليس من بديل. تشد الخيط بنص، بفكرة، بجملة، بنظرة. هل سأعزل نفسي عن العالم
لأتحرر منها؟ هل سيكون هذا تحررا؟ صرتُ أستخدم علامات الاستفهام بدلا من النقط.
وعلامة الاستفهام قويّة وجبارة؛ لا توحي بما توحي به النقطة من الاكتمال، علامة
الاستفهام لا يمكن اتباعها بنقطة. ستظل علامة استفهام، وسيظل لزاما عليّ أن أبتدأ
جملة جديدة بعدها على عدم اقتناعي بانتهاء الجملة الأولى. تُغريك بالنقطة تحتها،
فتنسى استدارتها، والخيط الذي تمدّه نحو هذه النقطة. علامة الاستفهام قادرة على
ابتلاع النقطة في أي لحظة. علامة التعجب على عكسها، مبهجة، مبهرة؛ والعالم ليس
مبهرًا، العالم ممل وموحش. حتّى وإن كانت لا توحي أيضا بانتهاء الجملة؛ إلا أنّك
تعرف أبعادها، وترى حدودها جيدّا، ليس منها خطر. علامة التعجب ستثيرك. وتحاول أن تثبت لك أن
في العالم ما يستحق الانبهار. وعلامة الاستفهام ستبتلع هذا التعجب عاجلا أم آجلا.
لا أذكر آخر مرّة استخدمتُ فيها علامة تعجب عن قناعة. ربما لضرورات كتابية، ولكنّي
لا أستطيعها. أما انحناءات علامات الاستفهام المراوغة، فستظل هناك، مع الكآبة ترقد
بعيدا. كلما تعلقت في آخر علامة التعجب، شدتني إليها. في الصباح، جرحتُ يدي بالموس،
وفيما كنتُ أرقبُ الدم الذي كلما مسحته، يعود من جديد، وأوهم نفسي أنني جُرحتُ
بالصدفة وليس عمدًا، قررتُ أن أغيّر إجابة "إزيّك؟" وأجعلها "أحسن
ما يمكن" بدلا من "كويسّة". إذ أن الحقيقة تقول أن هذه هي أفضل
حال، ولكنّها ليست السعادة في مطلقها، ولا داعي للايهام في سؤل بهذه الأهميّة. الوهم.
الوهم. والعجز غير المبرر عن الفهم. إن كنتُ هنا، وهذا واقع، لما يجب عليّ ألا
أفهم؟ ألا يمكنني أن أكون هنا، وأفهم في ذات الوقت؟ البقاء. البقاء. والسعادة كلمة
مبتذلة لم يعد لها معنى من كثرة الانهزامات. في نهاية كل محاولة، أجلس هناك وحيدة
مع الكآبة، ينظر كل منا للآخر ولا يدري ماذا يفعل بالآخر. أدير وجهي،
فيما أعرف أنّها موجودة، أعترفُ لنفسي مجددا بالعجز عن الرحيل، وأبدأ في البكاء.
Tuesday, June 19, 2012
Monday, June 18, 2012
الحب والقسوة، أم كلثوم والقصبجي مثالا.
في النهاية ياصديقي، لن نستطيع لوم أم كلثوم لأنّها كانت قويّة. ولن نستطيع لوم القصبجي لأنّه أحبها. نحن في النهاية مجرّد قارئين لتاريخ حدث، ما قيمتنا الفعليّة من الحدث؟ وماذا تفيد أحكامنا الأخلاقية على الأموات؟ لقد اختار كلُّ منهم، بوعي أو بدون، الطريقة التي يُريد أن يعيش بها. وعاش بها ثم مات. أم كلثوم اختارت أن تكون الأقوى، اختارت أن يكون لقلبها قوّة صوتها. والقصبجي اختار أن يكون رقيقا، اختار أن يكون لقلبه رهافة ألحانه. ونحن؟ نحن اخترنا أن نسمعهم. واخترنا أن نحكي الحكاية لكل من نعرفهم كلما جاءت السيرة. اخترنا أن نلوم أم كلثوم، لأن أحدًا لن يستطيع أن يتحمل لوم القصبجي. أنا اخترتُ أن تكون ام كلثوم عدوتي التي أعشقها. اخترتُ أن تقتلني أغانيها وتحييني في كل مرّة. واخترتُ أن أحب القصبجي حبًا غير مشروط. واخترتُ أن تكون "ما دام تحب بتنكر ليه" أغنيتي المفضلة على الإطلاق. وكلها اختيارات عبثية كما ترى؛ لن تغير مما حدث أي شيء. فلا لومنا لأم كلثوم سيرقق قلبها على هذا المرهف، ولا لومنا للقصبجي سيثنيه عن رفض هذا الذل. لقد أحب القصبجي أم كلثوم، وكان لأم كلثوم من القوة والجبروت ما يجعلها ترفض هذا الحُب الخالص. وكان لها من القدرة على التجاهل أن تعتبر كل هذا لم يكن. عاقبته على إخلاله بحبه الذي رفضته، فقبل هو بالعقاب. مالنا نحن وكل هذا؟ لماذا لا أستطيع التركيز في الأغنية الجميلة وانتهى؟ ولماذا أشعر بكل هذا الأسى ناحية القصبجي، وكل هذه الكراهية ناحية أم كلثوم؟
Saturday, June 16, 2012
والحُزنُ أبقى
كلما تجاهلتُ الجراح، صار طريق الشفاء منها أكثر وعورة. تعوُّدُ الألم يجعله أكثر إهانة. الحُزن أصفى. الحزنُ أرقى. الحُزن أهدى. وأهدى منها الهدوء، ومنها الهداية. الغضب مقابل الحزن. الحزن من الوحدة؛ أنين الزاي لا يستطيعه المتألمُ إلا وحيدًا. الغضب علاقة ثورية تستلزم أطرافًا.
كلما تجاهلتُ النصال، واعتدتُ الألم، زاد عُمق الجرح. الوحدة مُدرَكة، الوحدة مُدرِكة. والاهتمام ليس مقابلا للتجاهل؛ ولكن للرؤية. أن أرى >> ألا أتجاهل. أن أهتم >> ألا أبالي. النصال المتزايدة تُزيدُ الثقوب، والثقوب تزيد الحسرة. والحسرةُ مصدرها العجز.
وأنا حزينة ووحيدة. أداوي الحُزن بالغضب؛ فأبتذله. وأداوي الوحدة باللامبالاة؛ فأملُّ. وأكتبُ كيلا أموت. أكتب سعيا للاحتواء .. أكتبُ سعيًا للاستمرار.
Sunday, June 3, 2012
فوران القهوة
إلى دينا صبري
ما احناش قد البعد، لكن عليه مغصوبين. إنما الجراح هي اللي مش قدنا. بلاط الحسين بيفرّح، والكشري بيضحّك. تفاصيل إبراهيم أصلان كانت بتشاور ع الجاي. وبراد الشاي بيطرّي في الصيف، ويدفي في السقعة. كان تصوير، وكنّا بنشوي، وكانت بهجة. الود موصول ما دامت الذكريات. وهزة القلب اللي بيكِ اتثبتت مش مستنية سماعة باردة تحكيها. الحوجة مش دافع، لكن يمكن الحلويات تكون. والأخضر في عيوني يوم ما الحب اتأكد، ما بيّنهوش غير أخضرك فوقيها. غنانا هيكمّل دايما، وجملنا المبتورة هيفضل ليها معنى. يشهد عليها أسانسير حزب في عمارة، وكاكاو على قهوة كان طعمه وحش، وكبدة من على عربية متطرفة. كتابة على ضهر باب ما يفهمهاش غيرنا، وحاجات في الروح متخزنالك، مستنيّة طلتك عشان تنكتب. اعترافاتنا بحزن مدشدش العضم، بترممه وتحييه. القلب يستحمل أسيّة، بس ما يستحملشي القلب. والروح معاكِ بتلضم المنسي باللي لسّه ما جاش. كانت فرحة، وهتدوم، وكان رجا في اليقين، لسّه ما اتعورشي.
Friday, June 1, 2012
عن شادية وأم كلثوم وآخرين
سعاد حسني ستكون صديقتي التي ألقاها وسط تجمعات كبيرة من الأصدقاء، وتضحك حتّى نكاد من فرط البهجة نطير. وسألقاها وحدها على فترات بعيدة، صدفة غالبا، لنشكو قسوة العالم. صباح ستكون الشخصية التي أعرفها من بعيد، نسلّم سلاما متحفظا إذا وضعتنا الظروف معًا. سأسمع أغانيها بتحفظ مماثل، وسيشعرني وجودها دائما بعدم أريحية. سأحب أغان كثيرة لها، ولكن لن أجاهر بهذا الحب أبدا كما سأفعل مع أغاني سعاد حسني، التي سأستخدمها معظم الوقت لأقول أنني لا أغير منها، وأنني شخص سعيد ورائع، وأن الحياة مكان جميل. سأكره عبد الحليم حافظ حتّى الموت، وسأتجنب الحديث عنه معظم الوقت، وسأتجنب الأماكن التي يذهب إليها. ولن أسمع أغانيه إلا مضطرّة، وسأنكر بشدّة أن تكون إحداها تعجبني، حتّى لو حدث. سأتحدث عن عبد الوهاب بإكبار، وسألتزم الأدب والصمت في حضوره. سأقبل يد القصبجي كلما رأيته، وسأحاول أن أتقرب منه. سأزوره في بيته كثيرا، وسآخذ له الشوكولاتة وزجاجات الآي دي بطعم البطيخ وسيديهات لأغاني لينا شماميان، فيروز كراوية، وأوكا وأورتيجا. قد أحب محمد فوزي، ولكنّي سأتجاوز حبّه سريعا، وسنظل أصدقاء أوفياء. وسنلتقي بانتظام ولكن على فترات متباعدة. سأحضر جميع حفلات محمد عبد المطلب، وسأجلس في الصف الأوّل أراقب تعبيرات وجهه. أما سيّد مكاوي، فسأكون عضو دائم في شلة هو مركزها، تجتمع يوميا. سأغني معهم وأشرب وأضحك، ولكنّي إذا اكتئبت، سأتغيّب، ولن أرد على مكالماته. ليلى مراد ستكون صديقة محببة، لا أكره وجودها، ولكنّي لا أبحث عنه. وجودها سيسعدني، وسأحب تسريحة شعرها، وضحكتها. وسأطلب منها في كل مرّة أن تغني لي شيئا. وسأغني معها، وهي لأنّها ستحب غنائي، سترحب بمشاركتي، وستترك لي كوبليهات كاملة أغنيها وحدي. أما صديقتي المقربة ستكون شادية. سيقول الناس عننا دائما أننا متطابقتان. شادية ستكون رفيقتي الدائمة في كل المغامرات المتخلفة التي سنقوم بها. مثلا، سنذهب سرّا إلى فرح شعبي في أدغال امبابة على أننا راقصتان. مثلا، سنكون أنا وهي فقط الذين نعرف بأمر البار الحقير، الذي سنشرب فيه حتّى تمام السُكر، وسنبحث عن أي رجل يقلنا إلى البيت، في محاولة لتمثيل قصّة فيلم رخيص على أرض الواقع، ثم سنموت من الضحك حين نتذكر في الصباح. سنعيش سويّا، وسنضحك على كل شيء، ولكننا سنعرف جيدّا ما هو الحزن. سيكون حزنُنا موتًا، وفرحُنا جنونًا. سنقرر أن نتعرف على ولد وسيم أثناء السفر، وأن ندبّر مقلبًا محترمًا ضد فايزة أحمد لأنّها "واخداها جد زيادة عن اللزوم". ووحدها شادية ستعرف بشغفي بأم كلثوم. سيظن الجميع أن أم كلثوم عدوتي اللدود. وستكون فعلا. على الرغم من أنني سأعشق كل حرف تغنيه. وسأذهب إلى حفلاتها سرّا أنا وشادية متنكرتين، وسنجلس بعيدا عن دائرة نظرها. سأسمعها دون أن أنظر إلى وجهها. وسأكتفي بمراقبة القصبجي الجالس وراء أم كلثوم يعزف ألحان غيره. سأسب أم كلثوم في سرّي وفي علني. وسأعترف لشادية فقط أن أغانيها حلوة لدرجة غير محتملة. وسآتيها برواية كونديرا، ثم بعد أن تنهيها سأخبرها أن أم كلثوم ثقيلة ثقل غير محتمل، وأن القصبجي خفيف خفّة مؤلمة. ثم سننتبه أننا "قلبناها نكد"، فندير "أنا شارب تلاتة ستلا" وسنرقص حتّى نسقط من التعب، نرتاح قليلا، ثم ننزل لنشيّش شيشة ليمون على نعناع في قهوة البورصة، في ركن مظلم بعيد، ونحن صامتتان تماما.
Sunday, May 27, 2012
أبدًا، لا تصدقني
ما مدى صدق ما أكتبه عن نفسي؟
لم أفكر أبدا أن شخصا لا أعرفه وبعرفني، يقرأ ما أقوله. أعترف دائما لمن يدهشه ما أكتبه من الأصدقاء "بشرّد لنفسي، عادي". وأدعي أن من يقرأ هم هؤلاء الأصدقاء، أو أشخاص لن أعرفهم ولن يعرفوني. فكرتُ مؤخرا إثر حادثة احتكاكي بقاريء للمدونة؛ هل ما أكتبه هنا حقيقي؟ لنفترض أن شخصا لا أعرفه، يقرأ المدونة، ثم تعارفنا. لنفترض أننا جالسون الآن وجها لوجه نتكلّم، فيم سيفكّر؟ سيقارن بين صورته المتخيلة عن شخصيتي والواقع الذي يراه. "هي بتقول كذا، بس بتفكر كذا" لو حدث هذا، سأمقته جدّا. سيدعي أنه يعرفني جيدا؛ يقرأ كل ما أكتبه. وسيفترض، يفترض، يفترض. ولكن الواقع مغاير. أعي تماما حقيقة أنني أكتب الأشياء لأتخلص منها. ذاكرتي لا تسمح لي بتذكر كل شيء. مثلا، عندما أعود لتدويناتي القديمة، لا أتذكر فعلا من كنت أقصد بما قلتُ. لا أتذكر ملابسات الموقف. ما يبقى من كل ما أكتب عنه، هو ما أكتبه فعلا. بالأمس حلمتُ حلما سيئا جدا، وكنتُ سأموت خزيا ومهانة في الحلم؛ فاستيقظتُ بعد ساعة واحدة من نومي. كان الحلم جليّا في ذهني. كتبته. قمتُ لأغسل وجهي، وفي طريق عودتي للسرير، كان الحلم قد بدأ في التبخر بالفعل. كل ما أكتبه، يبدأ في التبخر أثناء كتابته. بعد أسبوع على أقصى تقدير، ستكون هذه التدوينة مجرّد كتابة. الأطرف، أن حتّى محاولة استنتاج سمات ثابتة لشخصيتي أمر عبثي. السمة الوحيدة الثابتة أنني شخص هوائي ومتقلّب الأطوار بشدّة. لم أعد البنت التي تتحدّث عن التفاصيل بهذا الاهتمام، ولا البنت التي تتحدّث عن سأم الحياة بهذا الابتذال. ولا أحب ما كتبته سابقا، وأراه مملا. الكتابة فضيحة لا بدّ منها. ولكن لا يجب أخذها بهذه الجديّة. ولا يجب أخذي أنا ينفسي بهذه الجديّة. لديّ من الخفة ما يمنحني امتياز التقلّب، ومن الثقل ما يكفي، للكتابة. وأوازن بينهما بالنسيان.
Friday, May 25, 2012
اقتباسات
"أنا قلت إن أنا كنت مرحلة في حياتك، وعدّت" "انتِ حلوة، بس المفروض تخسَي شويّة" "كل حاجة عندك فاكس، نفسي أعرف ايه الحاجة اللي بتهمّك فعلا؟" "مشكلتك إنّك بتفكري بسرعة، وبتكتبي بسرعة، فايدك بتغلط" "أسلوبك مستفز جدّا" "كنت نايم" "انتِ كنتِ قاسية عليهم أوي النهارده" "انتِ بدأتِ فعلا تبعدي عننا خلاص، والناس كلّها واخدة بالها" "شعب ما يمشيش غير بالكورباج" "مش بعاكس والله، بس انتِ حلوة فعلا" "مش مهم، المهم يصرف عليكِ" "طبعا هرمي حاجتك كلّها أما تمشي، ده أنا ما هصدّق الدنيا تروق من كراكيبك" "انتِ فين؟"
هل صار الكلام كله مُحزنًا؟ أم أن ذاكرتي تحتفظ بالسيء فقط؟
Monday, May 21, 2012
استثناء
انشغلتُ منذ شهور طويلة بالبحث عن قسوة العالم واثباتها. كنتُ أريد ايجاد مبررات كافية لكراهية العالم، ولبرهنة أحقيته بها. لا أقول إنني غيّرت رأيي، ولا أقول إنني لم أفعل. فقط، هذا اليوم سأستثنيه مؤقتا. لأنّه بدأ بداية طيبة، وأنا أقدر البدايات الطيبة. فقط لأنه بدأ قبل شروق الشمس. فقط لأنّه بدأ بصوت Pink Martini وإيمان البحر درويش. فقط لأن البنت التي اختارت أن تجلس جانبي في الميكروباص كانت جميلة، وكانت تبتسم، ونظرتْ لي نظرة اعتبرتُها امتنانا. فقط لأنهم أتوا بعامل جديد صغير في المقهى، وجعلوه يرتدي "بابيونة" بدلا من "الكرافتة" لصغر سنّه. فقط لأن هذا الطفل له ابتسامة تمزج التباهي بالخجل في مزيج رائع. فقط لأن الإسباني مبهج. فقط لأن الأصدقاء طيبون وحنونون. سأنشغل اليوم بالبحث عن مضادٍ للقسوة. سأدعوها الرحمة. سأدعوها الجمال. وسأدعوها حب العالم. فقط لأن الأشخاص الذين أحبهم موجودون. إلى (دينا وسلمى ويحيى وجمال وفريد وحسام وشادي وسلمى ونهى وهبة وشاهين وريهام). إليك وحدك في جملة مستقلّة. سأحب العالم ما دمتم فيه. وسأحب الحياة ما دامت الشمس تشرق ببطء وتغيب بجمال ووعي. ما دامت الموسيقى موحية لهذه الدرجة. وما دامت الآفاق مفتوحة. ما دام البشر يستثمرون قدرتهم على الإبتسام. وما دام الشغف. سأحبه اليوم. وسأرجو أن يحبني. ولن أحزن إن لم يفعل.
Sunday, May 20, 2012
الصدفة والدهشة والملل
لأنني كنتُ الوحيدة التي شاهدتْ الألعاب النارية؛ كانوا يعطون السماء ظهورهم- اعتبرتُ أن هذا امتيازا يمنحني الحق في اعتبارهم غرباء بما يكفي. ابتسامتي الواسعة لم تكن سوى انعكاس للدخان الذي لم أتوقف عن نفثه. لم يكن الأمر سوى اختبارًا جديدًا لألم أطارده ويراوغني. أدهشتني حقيقة ذهاب الألم، وأفزعني حلول الغربة محلّه. كان كل شيء موجودا، ولكنّي لا أعرفه. كل شيء كما هو، أنا الغريبة هنا. اعتبرتُ أن هذه الغربة تمنحني حق حضور الأفكار بدون استدعاء. فكرّتُ في أن الكآبة قد ذهبت، وأخذت معها الكتابة. تذكرتُ أن اسماعيل ياسين الذي دخل إلى كوميديا السينما ليجمع مالا يجمّل به فمه، تراجع عن التجميل إذ اكتشف أن هذا الفم يجلب له الأموال. قلت لنفسي: "هل من المسموح السماح للغايات أن تتغيّر؟". ناقشتُ نفسي في كل شيء، وأخبرتهم كذبا أنني أناقشهم. الألعاب النارية، كانت حمراء، أُطلقت مرّة واحدة فقط، وكنتُ وحدي من رآها. ولكنّهم جميعا رأوا المنديل الصغير يطير. مبهجًا، لكن وحيدًا. مستغربًا وغريبًا. اعترفتُ -لنفسي- بالافتتان باللغة، ووجدته مبررا طيبا لأنغمس كليّا في البحث حول اللعبة التي تقوم بها "ألفٌ" أُضيفت، عمدًا ودهاءً، بعد راء "غربة" لتصبح "غرابة". حول قدرة حرف المد الجبروتية على تحويل السكون لفتحٍ. وقلتُ أخيرا، إن التحوّل الذي تشهده ذاكرتي الآن مغرٍ بالحديث عنه. إذ لم أعد أنسى شيئا من تفاصيل ما حدث، ولكنّي أنسى إدراكه. واقعٌ أم حلمٌ، لا أدري؛ تيه كامل. كل الأحلام وقائع، وكل الوقائع أوهام. والكوابيس التي تغريني بالموت، تزداد قدرةً على الإقناع مع الوقت.
نفدت المعاني؛ لا جديد يقال.
الصمت أحفظ لماء الوجه
من غباء لا تفهميه ..
انتظري البعث، أو التحلل.
ودخنّي بشراهة المبتذلين ..
إما يقين الغباء الكامل
وإما غباءك في وجود النابهين ..
دخني بشراهة ..
واصمتي.
Monday, April 16, 2012
رسالة - تفتح بمعرفة المُرسل إليه.
سأكتب إليك هذه المرّة. ليس عنك؛ سأنتقل مباشرة من أن تكون طرفا غائبا في إحدى حكاياتي الكثيرة إلى أن تكون المخاطب بوضوح. سأحكي لك.
صدقني، هذه ليست رسالة غرامية. يجب أن تفهم هذا، وألا تعاملها على إنّها رسالة حب. أنا أساسا لا أعرف ما هو الحب، رغم أنني أحبّك، وأثق في أنني أحبّك. ولكنّي لستُ بالسعادة والتصالح الذي ترى دائما توجّب امتلاكي لهم. هل هناك أسوأ من أن أحبّك دون أن أستطيع تعريف الحب أصلا؟
سامحني، أنا لديّ من المشاكل النفسية ما يجعلني أبعد ما يكون عن البنت اللطيفة التي يجب أن تحبّك وتحبّها وتنشر في حياتك البهجة. أنا أحاول، ولكنّي أشعر دائما أنني مقصرّة، ليس تقصيرًا، عجزا. ربما أنا معقدّة، ربما أنانية. هذه رسالة إليك، لا تظهرَ أنت فيها، وأظهر أنا كالعادة. سأضطر أن أسامح نفسي، وأقول إنني أتحدث إليك، وبالتالي المنطقي أن أتحدث عن نفسي. سأضطر أن أقنع نفسي بشيء كهذا مؤقتا، حتّى يمكنني الاستمرار. هل أخبرتك أنني أقنع نفسي بكل الأشياء "مؤقتا"؟ هل أخبرتك عن الموقوتية التّي تلازم كل قناعاتي؟ ربمّا حدثتّك عن رحيلي الدائم، عن قدرتي على المغادرة في أي وقت. هل تعرف إذًا كم القسوة التي تتضمنها هذه الفكرة؟ القسوة من جديد .. سامحني، ستضطّر أن تسمع منّي نفس الكلمات أغلب الوقت. أنا شخص ممل بما يكفي ليعيد تكرار نفس المشاكل، رغم أنني أشتكي من الأشخاص الشكائين المملين. ولكنّي أشتكي، ليس كثيرا، وليس لمدّة طويلة. أشعر دائما في وسط شكوتي بتفاهتها ولا معناها، فأرغب في التوقف. أندم، أتمنّى لو لم أبدأها. لو فقط جلستُ وحدي كما أفعل دائما، وبكيتُ. ولكنّها هشاشتي، أخشى أن أصدّق أنني وحيدة، رغم أنني وحيدة.
أعلمُ أن لا ذنبً لك لتحتمل كل هذا، ولكنّي أحبّك. وهذا يكفيني جدّا. لا أريد أن أقول أن حبّك يغيرني، ستبدو جملة مبتذلة وأنا أكره الابتذال. لديّ حساسية مزمنة من كل الكلام الرومانسيّ، لديّ حساسية من الغراميات، لديّ حساسية من الحب أصلا. ولكنّ ماذا سنفعل إذا؟ أنا أحبّك، ولا يبدو أن هناك طريقة أخرى للتعبير عن هذا سوى باستخدام الكلمات المبتذلة. هل ترى كم أضحّى من أجلك؟
أكتبُ إليك لا لسبب سوى أنني اكتشفتُ في لحظة درامية من لحظاتي المبالغ بها أنني أحبّك فعلا. اسمع الحكاية من بدايتها، سأثرثر كالعادة. كنت في الميكروباص -ومعظم لحظاتي الدرامية تكون في الميكروباص أو بعد قراءة نص مرهق- عائدة إلى البيت، وكانت أم كلثوم تغنّي "رقّ الحبيب". أنا أعلم أنّك لا تحب أم كلثوم، ولا تعرف أصلا "رقّ الحبيب". دعني أحكي لك الحكاية التي أحكيها دائما. لدينا "أم كلثوم" وهي امرأة قويّة جبارّة، لدينا القصبجي وهو ملحن عوّاد مرهف الحس بشكل لا يصدّق، وملامحه دقيقة كقلبه، ولدينا أحمد رامي الذي لا نعرف عنه شيئا سوى أنّه كان يحب أم كلثوم. والحقيقة أنّه لم يكن وحده، كان القصبجي وآخرون يشاركونه الشغف بهذه المرأة الجبارة. رامي يكتب "رقّ الحبيب .. وواعدني .. وكان له مدّة غايب عنّي"، ويلحنها القصبجي. تبدو أشياءً عاديّة؟ لابد لأحد أن يكتب ولآخر أن يلحن لتغنّي هي في النهاية. لا يهم إذن العذاب الذي تعذبّه رامي وهو يكتب، ولا يهم أن القصبجي كان ينحل اللحن من جسمه ليزداد نحولا. وأم كلثوم بجبروتها، غنّت الأغنية وكأن شيئا لا يحدث. اعتبرته عاديّا، يكتبون ويلحنون لأغني أنا. لتقف أمام الميكروفون الذي يبعد عن فمها مسافة كبيرة، ويجلس القصبجي وراءها على العود، وتقول "وايه يفيد الزمن مع اللي عاش في الخيال". عموما، زادت الثرثرة عن حدّها، ولكنّي أردت أن أضعك في الحالة الشعوريّة الكاملة، لتفهم كيف أشعر وأنا أسمع الأغنية بعد كلّ هذا. أعرف أنّك تهتم أكثر بالمنتج النهائي، ولكنّي أهتم بالقصّة وراء العمل أكثر. المهم، كانت أم كلثوم تغنّي رقّ الحبيب، برقّة لا تُعرف عنها، وصورة القصبجي لا تفارق خيالي. فكرّت وقتها أن حبّك لا يجيب عن أسئلتي. فكرّت أن العالم لا يزال موحشا جدّا، ضيقّا جدّا، وخانقا. فكرّت أنني ربما لن أستطيع أن أحتمله كثيرا، ربما لن أستطيع أن أقاومه كثيرا. ربما تكون انهياراتي الصغيرة المتتالية مقدمّة لانهيار أكبر. شعرتُ أنني أظلمك. قلتُ "لا يستحق هذا". ثم قلتُ "ولكنّي أحبّه"، وصدقني لن أستطيع أن أعطيك أكثر من هذا. لا ضمانات ولا وعود، ربما لن تجد لديّ ما يعوضّك دائما، لستُ جميلة، لستُ ذكيّة، لن أكون شيئا مهمّا. قد ينتهي بي الأمر لأن أجلس في غرفة البيت الذي ستأتيني به، أدخن وأكتب كلاما سيئا وأتحدّث عن قسوة العالم بابتذال. ولكنّي أعدّك أن أحبّك دائما.
أنا من جهتي، سأحاول جاهدة أن أجعل الإجابة على كل الأسئلة هي "بحبّك"، بمعنى آخر: وجودك. قد تبدو محاولة ساذجة، ولكنّي سأحاول. سأجيب عن قسوة العالم بحبّك، سأقول إن خلو الحياة من المعنى ليس مهمّا في ظل حبّك. سأقول أن فشلي الدائم وعثراتي الدنيوية المتكررة ليست شيئا يُذكر ما دمتَ معي. لا أعدك أن أنجحك دائما. سيكون عليك أن تحتمل كثيرا.
ستحتمل نزواتي، تقلباتي الحادّة، أغانيّ الكئيبة المملة، حديثي دائم عن أشياء ليست مهمّة كحكاية القصبجي، وشكاويّ المتكررة عن نفس الأشياء. ستحتمل كثيرا، أعلم وأقدّر هذا، ولن أعطيك الكثير. فقط، سأحبّك أكثر.
Subscribe to:
Posts (Atom)