Sunday, May 27, 2012

أبدًا، لا تصدقني

ما مدى صدق ما أكتبه عن نفسي؟

لم أفكر أبدا أن شخصا لا أعرفه وبعرفني، يقرأ ما أقوله. أعترف دائما لمن يدهشه ما أكتبه من الأصدقاء "بشرّد لنفسي، عادي". وأدعي أن من يقرأ هم هؤلاء الأصدقاء، أو أشخاص لن أعرفهم ولن يعرفوني. فكرتُ مؤخرا إثر حادثة احتكاكي بقاريء للمدونة؛ هل ما أكتبه هنا حقيقي؟ لنفترض أن شخصا لا أعرفه، يقرأ المدونة، ثم تعارفنا. لنفترض أننا جالسون الآن وجها لوجه نتكلّم، فيم سيفكّر؟ سيقارن بين صورته المتخيلة عن شخصيتي والواقع الذي يراه. "هي بتقول كذا، بس بتفكر كذا" لو حدث هذا، سأمقته جدّا. سيدعي أنه يعرفني جيدا؛ يقرأ كل ما أكتبه. وسيفترض، يفترض، يفترض. ولكن الواقع مغاير. أعي تماما حقيقة أنني أكتب الأشياء لأتخلص منها. ذاكرتي لا تسمح لي بتذكر كل شيء. مثلا، عندما أعود لتدويناتي القديمة، لا أتذكر فعلا من كنت أقصد بما قلتُ. لا أتذكر ملابسات الموقف. ما يبقى من كل ما أكتب عنه، هو ما أكتبه فعلا. بالأمس حلمتُ حلما سيئا جدا، وكنتُ سأموت خزيا ومهانة في الحلم؛ فاستيقظتُ بعد ساعة واحدة من نومي. كان الحلم جليّا في ذهني. كتبته. قمتُ لأغسل وجهي، وفي طريق عودتي للسرير، كان الحلم قد بدأ في التبخر بالفعل. كل ما أكتبه، يبدأ في التبخر أثناء كتابته. بعد أسبوع على أقصى تقدير، ستكون هذه التدوينة مجرّد كتابة. الأطرف، أن حتّى محاولة استنتاج سمات ثابتة لشخصيتي أمر عبثي. السمة الوحيدة الثابتة أنني شخص هوائي ومتقلّب الأطوار بشدّة. لم أعد البنت التي تتحدّث عن التفاصيل بهذا الاهتمام، ولا البنت التي تتحدّث عن سأم الحياة بهذا الابتذال. ولا أحب ما كتبته سابقا، وأراه مملا. الكتابة فضيحة لا بدّ منها. ولكن لا يجب أخذها بهذه الجديّة. ولا يجب أخذي أنا ينفسي بهذه الجديّة. لديّ من الخفة ما يمنحني امتياز التقلّب، ومن الثقل ما يكفي، للكتابة. وأوازن بينهما بالنسيان.

Friday, May 25, 2012

اقتباسات

"أنا قلت إن أنا كنت مرحلة في حياتك، وعدّت" "انتِ حلوة، بس المفروض تخسَي شويّة" "كل حاجة عندك فاكس، نفسي أعرف ايه الحاجة اللي بتهمّك فعلا؟" "مشكلتك إنّك بتفكري بسرعة، وبتكتبي بسرعة، فايدك بتغلط" "أسلوبك مستفز جدّا" "كنت نايم" "انتِ كنتِ قاسية عليهم أوي النهارده" "انتِ بدأتِ فعلا تبعدي عننا خلاص، والناس كلّها واخدة بالها" "شعب ما يمشيش غير بالكورباج" "مش بعاكس والله، بس انتِ حلوة فعلا" "مش مهم، المهم يصرف عليكِ" "طبعا هرمي حاجتك كلّها أما تمشي، ده أنا ما هصدّق الدنيا تروق من كراكيبك" "انتِ فين؟"

هل صار الكلام كله مُحزنًا؟ أم أن ذاكرتي تحتفظ بالسيء فقط؟

Monday, May 21, 2012

استثناء

انشغلتُ منذ شهور طويلة بالبحث عن قسوة العالم واثباتها. كنتُ أريد ايجاد مبررات كافية لكراهية العالم، ولبرهنة أحقيته بها. لا أقول إنني غيّرت رأيي، ولا أقول إنني لم أفعل. فقط، هذا اليوم سأستثنيه مؤقتا. لأنّه بدأ بداية طيبة، وأنا أقدر البدايات الطيبة. فقط لأنه بدأ قبل شروق الشمس. فقط لأنّه بدأ بصوت Pink Martini وإيمان البحر درويش. فقط لأن البنت التي اختارت أن تجلس جانبي في الميكروباص كانت جميلة، وكانت تبتسم، ونظرتْ لي نظرة اعتبرتُها امتنانا. فقط لأنهم أتوا بعامل جديد صغير في المقهى، وجعلوه يرتدي "بابيونة" بدلا من  "الكرافتة" لصغر سنّه. فقط لأن هذا الطفل له ابتسامة تمزج التباهي بالخجل في مزيج رائع. فقط لأن الإسباني مبهج. فقط لأن الأصدقاء طيبون وحنونون. سأنشغل اليوم بالبحث عن مضادٍ للقسوة. سأدعوها الرحمة. سأدعوها الجمال. وسأدعوها حب العالم. فقط لأن الأشخاص الذين أحبهم موجودون. إلى (دينا وسلمى ويحيى وجمال وفريد وحسام وشادي وسلمى ونهى وهبة وشاهين وريهام). إليك وحدك في جملة مستقلّة. سأحب العالم ما دمتم فيه. وسأحب الحياة ما دامت الشمس تشرق ببطء وتغيب بجمال ووعي. ما دامت الموسيقى موحية لهذه الدرجة. وما دامت الآفاق مفتوحة. ما دام البشر يستثمرون قدرتهم على الإبتسام. وما دام الشغف. سأحبه اليوم. وسأرجو أن يحبني. ولن أحزن إن لم يفعل.

Sunday, May 20, 2012

الصدفة والدهشة والملل

لأنني كنتُ الوحيدة التي شاهدتْ الألعاب النارية؛ كانوا يعطون السماء ظهورهم- اعتبرتُ أن هذا امتيازا يمنحني الحق في اعتبارهم غرباء بما يكفي. ابتسامتي الواسعة لم تكن سوى انعكاس للدخان الذي لم أتوقف عن نفثه. لم يكن الأمر سوى اختبارًا جديدًا لألم أطارده ويراوغني. أدهشتني حقيقة ذهاب الألم، وأفزعني حلول الغربة محلّه. كان كل شيء موجودا، ولكنّي لا أعرفه. كل شيء كما هو، أنا الغريبة هنا. اعتبرتُ أن هذه الغربة تمنحني حق حضور الأفكار بدون استدعاء. فكرّتُ في أن الكآبة قد ذهبت، وأخذت معها الكتابة. تذكرتُ أن اسماعيل ياسين الذي دخل إلى كوميديا السينما ليجمع مالا يجمّل به فمه، تراجع عن التجميل إذ اكتشف أن هذا الفم يجلب له الأموال. قلت لنفسي: "هل من المسموح السماح للغايات أن تتغيّر؟". ناقشتُ نفسي في كل شيء، وأخبرتهم كذبا أنني أناقشهم. الألعاب النارية، كانت حمراء، أُطلقت مرّة واحدة فقط، وكنتُ وحدي من رآها. ولكنّهم جميعا رأوا المنديل الصغير يطير. مبهجًا، لكن وحيدًا. مستغربًا وغريبًا. اعترفتُ -لنفسي- بالافتتان باللغة، ووجدته مبررا طيبا لأنغمس كليّا في البحث حول اللعبة التي تقوم بها "ألفٌ" أُضيفت، عمدًا ودهاءً، بعد راء "غربة" لتصبح "غرابة". حول قدرة حرف المد الجبروتية على تحويل السكون لفتحٍ. وقلتُ أخيرا، إن التحوّل الذي تشهده ذاكرتي الآن مغرٍ بالحديث عنه. إذ لم أعد أنسى شيئا من تفاصيل ما حدث، ولكنّي أنسى إدراكه. واقعٌ أم حلمٌ، لا أدري؛ تيه كامل. كل الأحلام وقائع، وكل الوقائع أوهام. والكوابيس التي تغريني بالموت، تزداد قدرةً على الإقناع مع الوقت.

نفدت المعاني؛ لا جديد يقال.
الصمت أحفظ لماء الوجه
من غباء لا تفهميه ..
انتظري البعث، أو التحلل.
ودخنّي بشراهة المبتذلين ..
إما يقين الغباء الكامل
وإما غباءك في وجود النابهين ..
دخني بشراهة ..
واصمتي.

Monday, April 16, 2012

رسالة - تفتح بمعرفة المُرسل إليه.

سأكتب إليك هذه المرّة. ليس عنك؛ سأنتقل مباشرة من أن تكون طرفا غائبا في إحدى حكاياتي الكثيرة إلى أن تكون المخاطب بوضوح. سأحكي لك. 
صدقني، هذه ليست رسالة غرامية. يجب أن تفهم هذا، وألا تعاملها على إنّها رسالة حب. أنا أساسا لا أعرف ما هو الحب، رغم أنني أحبّك، وأثق في أنني أحبّك. ولكنّي لستُ بالسعادة والتصالح الذي ترى دائما توجّب امتلاكي لهم. هل هناك أسوأ من أن أحبّك دون أن أستطيع تعريف الحب أصلا؟ 
سامحني، أنا لديّ من المشاكل النفسية ما يجعلني أبعد ما يكون عن البنت اللطيفة التي يجب أن تحبّك وتحبّها وتنشر في حياتك البهجة. أنا أحاول، ولكنّي أشعر دائما أنني مقصرّة، ليس تقصيرًا، عجزا. ربما أنا معقدّة، ربما أنانية. هذه رسالة إليك، لا تظهرَ أنت فيها، وأظهر أنا كالعادة. سأضطر أن أسامح نفسي، وأقول إنني أتحدث إليك، وبالتالي المنطقي أن أتحدث عن نفسي. سأضطر أن أقنع نفسي بشيء كهذا مؤقتا، حتّى يمكنني الاستمرار. هل أخبرتك أنني أقنع نفسي بكل الأشياء "مؤقتا"؟ هل أخبرتك عن الموقوتية التّي تلازم كل قناعاتي؟ ربمّا حدثتّك عن رحيلي الدائم، عن قدرتي على المغادرة في أي وقت. هل تعرف إذًا كم القسوة التي تتضمنها هذه الفكرة؟ القسوة من جديد .. سامحني، ستضطّر أن تسمع منّي نفس الكلمات أغلب الوقت. أنا شخص ممل بما يكفي ليعيد تكرار نفس المشاكل، رغم أنني أشتكي من الأشخاص الشكائين المملين. ولكنّي أشتكي، ليس كثيرا، وليس لمدّة طويلة. أشعر دائما في وسط شكوتي بتفاهتها ولا معناها، فأرغب في التوقف. أندم، أتمنّى لو لم أبدأها. لو فقط جلستُ وحدي كما أفعل دائما، وبكيتُ. ولكنّها هشاشتي، أخشى أن أصدّق أنني وحيدة، رغم أنني وحيدة.
أعلمُ أن لا ذنبً لك لتحتمل كل هذا، ولكنّي أحبّك. وهذا يكفيني جدّا. لا أريد أن أقول أن حبّك يغيرني، ستبدو جملة مبتذلة وأنا أكره الابتذال. لديّ حساسية مزمنة من كل الكلام الرومانسيّ، لديّ حساسية من الغراميات، لديّ حساسية من الحب أصلا. ولكنّ ماذا سنفعل إذا؟ أنا أحبّك، ولا يبدو أن هناك طريقة أخرى للتعبير عن هذا سوى باستخدام الكلمات المبتذلة. هل ترى كم أضحّى من أجلك؟
أكتبُ إليك لا لسبب سوى أنني اكتشفتُ في لحظة درامية من لحظاتي المبالغ بها أنني أحبّك فعلا. اسمع الحكاية من بدايتها، سأثرثر كالعادة. كنت في الميكروباص -ومعظم لحظاتي الدرامية تكون في الميكروباص أو بعد قراءة نص مرهق- عائدة إلى البيت، وكانت أم كلثوم تغنّي "رقّ الحبيب". أنا أعلم أنّك لا تحب أم كلثوم، ولا تعرف أصلا "رقّ الحبيب". دعني أحكي لك الحكاية التي أحكيها دائما. لدينا "أم كلثوم" وهي امرأة قويّة جبارّة، لدينا القصبجي وهو ملحن عوّاد مرهف الحس بشكل لا يصدّق، وملامحه دقيقة كقلبه، ولدينا أحمد رامي الذي لا نعرف عنه شيئا سوى أنّه كان يحب أم كلثوم. والحقيقة أنّه لم يكن وحده، كان القصبجي وآخرون يشاركونه الشغف بهذه المرأة الجبارة. رامي يكتب "رقّ الحبيب .. وواعدني .. وكان له مدّة غايب عنّي"، ويلحنها القصبجي. تبدو أشياءً عاديّة؟ لابد لأحد أن يكتب ولآخر أن يلحن لتغنّي هي في النهاية. لا يهم إذن العذاب الذي تعذبّه رامي وهو يكتب، ولا يهم أن القصبجي كان ينحل اللحن من جسمه ليزداد نحولا. وأم كلثوم بجبروتها، غنّت الأغنية وكأن شيئا لا يحدث. اعتبرته عاديّا، يكتبون ويلحنون لأغني أنا. لتقف أمام الميكروفون الذي يبعد عن فمها مسافة كبيرة، ويجلس القصبجي وراءها على العود، وتقول "وايه يفيد الزمن مع اللي عاش في الخيال". عموما، زادت الثرثرة عن حدّها، ولكنّي أردت أن أضعك في الحالة الشعوريّة الكاملة، لتفهم كيف أشعر وأنا أسمع الأغنية بعد كلّ هذا. أعرف أنّك تهتم أكثر بالمنتج النهائي، ولكنّي أهتم بالقصّة وراء العمل أكثر. المهم، كانت أم كلثوم تغنّي رقّ الحبيب، برقّة لا تُعرف عنها، وصورة القصبجي لا تفارق خيالي. فكرّت وقتها أن حبّك لا يجيب عن أسئلتي. فكرّت أن العالم لا يزال موحشا جدّا، ضيقّا جدّا، وخانقا. فكرّت أنني ربما لن أستطيع أن أحتمله كثيرا، ربما لن أستطيع أن أقاومه كثيرا. ربما تكون انهياراتي الصغيرة المتتالية مقدمّة لانهيار أكبر. شعرتُ أنني أظلمك. قلتُ "لا يستحق هذا". ثم قلتُ "ولكنّي أحبّه"، وصدقني لن أستطيع أن أعطيك أكثر من هذا. لا ضمانات ولا وعود، ربما لن تجد لديّ ما يعوضّك دائما، لستُ جميلة، لستُ ذكيّة، لن أكون شيئا مهمّا. قد ينتهي بي الأمر لأن أجلس في غرفة البيت الذي ستأتيني به، أدخن وأكتب كلاما سيئا وأتحدّث عن قسوة العالم بابتذال. ولكنّي أعدّك أن أحبّك دائما.
أنا من جهتي، سأحاول جاهدة أن أجعل الإجابة على كل الأسئلة هي "بحبّك"، بمعنى آخر: وجودك. قد تبدو محاولة ساذجة، ولكنّي سأحاول. سأجيب عن قسوة العالم بحبّك، سأقول إن خلو الحياة من المعنى ليس مهمّا في ظل حبّك. سأقول أن فشلي الدائم وعثراتي الدنيوية المتكررة ليست شيئا يُذكر ما دمتَ معي. لا أعدك أن أنجحك دائما. سيكون عليك أن تحتمل كثيرا. 
ستحتمل نزواتي، تقلباتي الحادّة، أغانيّ الكئيبة المملة، حديثي دائم عن أشياء ليست مهمّة كحكاية القصبجي، وشكاويّ المتكررة عن نفس الأشياء. ستحتمل كثيرا، أعلم وأقدّر هذا، ولن أعطيك الكثير. فقط، سأحبّك أكثر.

Tuesday, April 10, 2012

الحديث الممل عن الأشياء المملة

كالبحر، كلما قلتُ هدأتُ، ثرتُ من جديد. لا أنجح في التنبؤ، لا أنجح في الوقاية. كالسيجارة، تزداد حميتها قرب النهاية. وقفت على بعد أرقب، فتخيلني المراقَبون معهم. وكلما وجدتُ طريقًا، أضعتُه. فتنني الاختزال، فتقمصته. طارت منّي الحكايات، وطارت منّي الأحلام، وطار البشر، ومنعني ثقلي من الطيران، فرسوتُ على الأرض تدور بي. تعاملتُ مع الكراهية، وأربكني الحب. حاولتُ أن أبدو شرسة، وخانتني حركات يدي العصبية. خفتُ من الذكريات، فنسيتُها، ثم أرعبني النسيان، فحاولت التذكّر، فأماتتني الذكريات. لا أعرف من أي شِقٍ في الروح، تقتحمني هذه الغربة والغرابة. ولا أعرف في أي فصول السنة، سأستطيع تطييرها بعيدا كطائرة ورقية. أستطيع التصرّف في بعض الكلمات، أنفّس بها الضغط المحبوس قليلا، ولكن يبقى الإناء على حافة الانفجار.
كل ما أفكر فيه، في نهاية هذه الليلة السيئة، أنني أريد الرحيل، حتّى لو أسميتُه هروبًا. أريدُ الهروب من هذا البيت، من هذا البلد، من هذه الإنسانية. أريدُ الهروب من رأسي، من قلبي، ومن الكتابة. أريدُ بشدّة أن أعيشَ وحدي قليلا على حافة العالم، في النقطة الحرجة التي يسقط بعدها. أن أشعل نارًا في هذه الصحراء، وأظل أصرخ، وأركض حتّى أسقطَ عن هذه الحافة؛ فأسكن للأبد.

Thursday, April 5, 2012

ذكْر ما جرى

لففتُ الله في سيجارة، دخنتها في أوقات الملل والانتظار. ثم غيّرت نوع سجائري لمّا وضعوا عليها الصور القبيحة. وحين قال لي المتشككون، أن تغييري لنوع السجائر ليس أصيلا؛ جاء بدافع الملل وقبح الصورة وأنني سأعود لاحقًا، لم أرد. وكنتُ أعرف يقينًا أنني لن أعود. أدركت مساوئها وعدم أصالتها هي نفسها حين ابتعدتُ بما يكفي لأرى. أمّا الحُب، فجعلت الطريق إليه اتجاهين، يأتيني وأذهب إليه، ولكنّي أبدا لم أُعَبده؛ أخذته على عثراته، ولم أفكر في تغيير الوسيلة. أتيتُ بمقاهي وسط البلد إلى غرفتي، وطردت عائلتي إلى المسجد المجاور. واكتفيتُ من الذكريات بالعناوين والمخلفات النفسيّة، واعتبرتُ أن الماضي مضى، وأن الحاضر حاضر؛ فلا داعي للحنين. لعبتُ البراجماتية ببراعة، واكتفيتُ من الوطن بجنسيته وأحبائي. بكيتُ في كل مرّة أنكرتُ فيها عاطفيتي، وكذبتُ كل مرّة اعترفتُ بها. وقلت للدراما: لا تتبعيني، فسارت بجانبي، ينظر كلٌ منّا للآخر بطرف عينه، ولا يتمعّن. فرقتُ بهجتي بين القبائل، ولم أحفظ لنفسي منها شيئا. وادعيتُ دائما أنني متصالحة، ثم وسمتُ العالم بالقسوة، والحياة بالصلادة. قطرّت أمّي في زجاجة، تنكسر دائما، وأحاول جبرها. ثم في النهاية، حولّت نفسي لمرآة؛ تبرق، ولا تشف.

Sunday, March 25, 2012

تساؤل عن الهشاشة

أيهما أسبق في الحدوث؛ الهشاشة أم الأحداث الملازمة لها؟ بمعنى: هل تصيب نفسي الهشاشة أولا فتبدأ في التساؤل من جديد حول كنه الأشياء بدرامية، وتعي مشاكلها، أم تنبع المشاكل فتودي بي لطريق الهشاشة؟

لا أجد أبدا النقطة التي تبدأ عندها الحالة، أدركها عندما تتشكّل. ولكنّ الادراك دائما نقطة محددة، تبزغ فجأة، عادة في عبوري لطريق، أو في لحظة قيامي من على كرسيّ القهوة أو في صعودي للسلّم. أقف لحظة وأقول: هذه هي الهشاشة. تسبق اللحظة معطيات، منفردة، تضعها لحظة الادراك في مدار مرئي. الموسيقى تصبح قاسية جدّا، الحياة بعيدة، والبشر غير محسوسين. ثم تبدأ مشاكل من نوعية: أمّي، النقود، الدراسة، الأصدقاء، المجتمع- في الطفو على السطح. ربما هي هناك طول الوقت تنتظر باعثًا، رُبما تكون قد بدأت في الطفو فخلخلت الكيان المتماسك نظريّا قبل أن تظهر؛ لا أعرف حقّا. لكنّي أعرف أنني أكتبُ كثيرا، وأنني أقرأ كثيرا. وأن كلامي يصير مختزلا، وثقتي بنفسي تتهاوى، ومأساوية الوجود تتعمّق. ودائما وأبدًا يعود السؤال القاسي: لم عليّ دائما أن ألعب لعبة لم أختر قواعدها؟ وماذا أختار إذا كانت كل الخيارات المتاحة غير صحيحة؟

Saturday, March 24, 2012

التشبث بالغرائبية

لأن الأيام الغرائبية تستحق، تشبثتُ بشدّة بايقاعها عندما اكتشفته. تبّاع ميكروباص الصباح كان نجاح الموجي، وسائق العودة كان محمود حميدة في عفاريت الأسفلت. قاومتُ بشدّة أن أطلب من الأوّل أن يغنّي "سلّم لنا بقى ع التروماي"، ومن الثاني أن يقشّر برتقالة. وولكنّي لم أقاوم أن أبادلهما التحديق. على القهوة، وفيما كنتُ أدخن سيجارتي، نظرتُ للرجل الذي طلب منّي سيجارة نظرة متفحصّة طويلة ثم قلتُ ببرود شديد :"توء"، ونهرتُ بائع المناديل بعنف لأنّه ألّح، لكنّي كنتُ سعيدة وخفيفة خفّة محتملة. أنهيتُ أكثر من ثلثي الكتاب في ساعتين، ودخلتُ حالة الكتابة التي افتقدتها بشدّة. الطريق الدائريّ في النهار، مبهج للغاية، ولا يوحي بوحشته عندما يحلّ الليل. ورود ستيوارت يغنّي في أذني عن الطريقة التي تمسك بها حبيبته السكّين، فأحببتُ السكّين جدّا. ما زال العود الذي اشتراه صديق بالأمس، ولعبت به يثيرني وأفكّر فيه كثيرا. وأصبحتُ أجد آلام بطني والصداع والدوار أشياء لطيفة. فيما تتخذ نظرتي للأفكار والبشر منحًى غريبا، ثمة قرارات بشكل حياة مختلف تتشكّل بعيدا في طبقات مخي؛ بعيدا بما يكفي لأشعر بها ولا أدركها. السحاب قطع قطن كبيرة، ضغطها ضاغطٌ بلوح زجاج على خلفية ورقة زرقاء؛ متشكلّة وغير ملموسة. والغرائبية تجعلني أرى الحياة كلّها من وراء نفس اللوح على خلفية ضوء الشمس؛ مرئية وغير مُعاشة. لكنّها في كل الأحوال جميلة. الغرائبية تناسبني: لستُ واقعية بما يكفي، لستُ رومانسية بما يكفي، ولستُ جاهلة/عالمة بما يكفي. لذا، وبشكل مبدئي، سأبحث عنها دومًا. ويكفي هذا القرار الآن.

Friday, March 23, 2012

مُسكن وقتي يصلح لليلة واحدة

في قاع شنطتي تستقر الأجندة الصغيرة حيث ركزّت طوال طريق عودتي لأكتب ما يجب عليّ فعله حين أصل للبيت. بجانب السرير، تستقر الثلاث كتب التّي يملأني شغف حقيقي لقرائتها. على يمين شاشة الكمبيوتر تستقر كتب الدراسة والكثير من الأوراق المكتوبة بالإسبانية وأرغب فعلا في مذاكرتها. وعلى اليسار توجد المقالاتان التّي أتمنى ترجمتهما منذ أسبوع. في الغرفة المجاورة تجلس أمّي التّي أتمنى أن أذهب إليها وأقول كلاما لا أصدقه عن أسفي عمّا قلته ونيتّي في أن أفعل ما تريده. وفي مكان ما في وسط البلد، يوجد الولد الذي أريد مكالمته لأؤكد له افتقادي. وفي رأسي تتصارع كل أفكاري السخيفة والكئيبة عن فشلي عن انجاز شيء حقيقي وعن تيهي في الحياة بين الأفكار والتناقضات، مع سعادتي الصادقة بالولد الذي أحببته وكانت الحياة كريمة معي بما يكفي لتجعله يحبني أيضًا. 
أريد أن أفعل كل الأشياء، ولا أريد أن أفعلها. والنوم دائما أكثر اغراءً وسطوة من الرغبة في الانجاز.
وأعرف أنني رغم كل تأكيداتي وتعنيفي لنفسي بسبب التكاسل والأداء المنخفض، سأعتبر كتابتي لتدوينة جديدة بعد أقل من أسبوعين -بعيدًا عن مدى سوئهما- انجازًا في ذاته، وسأكتفي بالمكالمة ثم أنام. وأنا أعد من نفسي من جديد، أن من الغد سأصبح شخصًا آخر، أكثر قدرة على التواصل الاجتماعي، أكثر قدرة على الإنجاز، وأكثر قدرة على ترتيب أفكاره وحياته كلّها.